قصص وحكايات

قصص القرآن الكريم(الحلقة السابعة عشرة)

قِصةُ ذِي القَرنَين

 

قِصةُ ذِي القَرنَين

 

(وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا)

في هذه الآية الكريمة خطابٌ وجواب لخاتم الأنبياء الأعظم محمد(ص) الذي حاول اليهود والقرشيون تعجيزه ليُثبتوا للمجتمع أنه غير صادقٍ فيما يدّعيه ويدعو إليه.

وكان اليهود على معرفةٍ بقضية ذي القرنين التي سمعوها من علمائهم، وكانوا يظنون بأنهم يملكون من المعلومات ما لا يعرفها غيرهم، وأنّهم مميَّزون عن باقي الناس بتلك المعلومات التي جعلوها حكراً عليهم قبل المبعث النبوي الشريف.

وكان اليهود وأحبارهم يتعالَون على بقية الناس بحجة أنهم أهل علمٍ ومعرفة لم يسبقهم إليها أحد لأنهم أهل التوراة المنزلة من السماء، ويا ليتهم التزموا بما فيها لكان خيراً لهم في الدنيا والآخرة، ولكنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض فكانوا ممن غضب الله عليهم.

لقد أرادوا من خلا سؤالهم رسولَ الله عن ذي القرنين أن يُحرجوه ليُخرجوه، وذلك من خلال عدة أسئلة طرحوها عليه، وكلُّهم ثقةٌ بأنه سوف يفشل في الإجابة على أسئلتهم حيث لا يعرف تلك المعلومات غير اليهود حسب زعمِهم، أو نبيٍ مرسل من عند الله حقاً.

أتوا إلى داره وطرحوا عليه أسئلتهم، وبما أنه لا ينطق إلا بوحي من الله سبحانه فقد استمهلهم حتى يأتيه الوحي.

ومما طرحوه من الأسئلة على خاتم الأنبياء(ص) قضية الرجل(ذو القرنين) الذي جال العالَم بجيشه حيث مكّنه الله في الأرض وآتاه من كل شيء سبباً.

وقد تأخر نزول الوحي عليه مما جعل اليهود ومن معهم يشيعون بين الناس بأنّ محمداً لم يُجبهم على أسئلتهم، وهذا يعني أنه يكذب عليكم والعياذ بالله.

وبعد مدة نزل عليه الوحي بآيات من سورة الكهف أجابت اليهود على تلك الأسئلة، فلقد أجابهم بأدقِّ تفاصيل قضية ذي القرنين، وكأنه كان معه في رحلته الطويلة، ولم يكن أثرُ إجاباته تلك بأقل وقْعاً على قلوب اليهود من وَقْعِ أيَّة معجزةٍ أجراها الله سبحانه على أيدي أنبيائه، فأثبت لهم الحق، بل إنّ ما جاء به هو الحق، فسكتوا وكأنّ على رؤوسهم الطير، وخرجوا من عنده وهم يصرون على العناد رغْمَ ظهور الحق لهم، وأنّ تلك المعلومات لا يعرفها إلا نبيٌّ مرسَل.

أما قضية ذي القرنين فهي من القضايا التي اهتم بها المسلمون وغيرهم عبر التاريخ مع وجود اختلاف في تحديد هوية هذا الرجل العظيم وسبب تسميته بهذا الإسم.

قيل في حقّه افتراءاً إنَّ له قرنين في رأسه وكان يغطيهما خجلاً، ولكن الأقرب للواقع أنه سمي بهذا الإسم لأنه أخذ بقرنَي الأرض(المشرق والمغرب) حيث جال مَشرقَ الأرض ومغربها، ولم يترك مكاناً على اليابسة إلا وقصده وأصلح أمر سكانه.

وقيل في سبب تسميته أشياء كثيرة، ولا أرى من داعٍ لذكرها هنا كيلا نخرج عن عنوان البحث وهو بيان أحوال هذا الرجل وأعماله التي ما زال بعضها موجوداً حتى يومنا الحاضر.

وليس هو الإسكندر المقدوني اليوناني، بل هو عبدٌ صالح سبق زمن وجوده زمن المقدوني بمدة طويلة.

وقبل البدء بقصته أشير إلى أنها من عجائب القصص القرآنية، وفيها الكثير من الغيبيات التي لم نعرفها ولن نعرفها، بل أُشيرَ إليها بإشارات عامة كقضية يأجوج ومأجوج التي دخلتها الإسرائيليات بسبب الغموض فيها أو لسبب كونها من الغيبيات.

أما غير المسلمين فإنهم عندما يتحدثون عن ذي القرنين ينظرون إليه من زاوية كونِه أحد أبطال هذا العالَم ولا يعيرون اهتماماً للروح الإيمانية التي كان يتمتع به أو دعواته الناس إلى الإيمان بالله ووحدانيته، وهو حديث ناقص وبلا جدوى، فإما أن نذكر كل شيء أو نسكت كيلا نظلم هذا العبد الصالح وننتقص شيئاً من حقه على المجتمع البشري وتطويره.

وأما المسلمون فهم أصحاب الرأي الصائب والنظرة الحقيقية لهذا الرجل حيث علّمنا الله تعالى بواسطة رسوله محمد(ع) ما لم نكن نعلم، وما تعلّمناه عن خاتم الأنبياء إنما هو الحق بعينه.

وذو القرنين رجلٌ صالح يحب فعل الخير ويعشق العدْل ويُبغض الظلم ويحاربه ويعمل على قطع  دابره.

وقد أعطاه الله العلم الغزير ومكّنه في الأرض وسبّب له الأسباب وهيّأ له من الإمكانيات ما يحتاجها في تجواله، وأمره أن يعمل بالأسباب ويعلّم الناس ما يحتاجون إليه، وكان يعرف الكثير من المِهَن والحِرف ويحيط بالطب والهندسة والفنون القتالية والسياسية وغير ذلك من العلوم الكبرى، وقد أحاط علماً بخريطة هذا العالَم ولا ندري كيف، بل نؤمن بأنّ الله تعالى ألهمه كل ذلك لينشر الله على يديه العدل بين الناس، فقد كان يثيب المحسن بأمر الله ويعاقب المسيء بأمره، وقد علّمه تعالى الكثير مما ينفع الناس، وليكون هذا الرجل وعهده عبرة للجميع حتى يؤمنوا بأنَّ قدرة الله لا حدود لها وأنّ عطاءه يصيب من يشاء من عباده.

ولا ندري كيف تعلّم، ولا نعرف كيف حصل على جيشه الجرار الذي جال معه العالَم، أو كيف كان يؤمّن لهم المال والطعام، كل تلك الأمور مسكوتٌ عنها في القرآن لأنَّ المهم من القصة هو العبرة وماذا فعل وكيف فعل، وماذا أثمرت تلك الرحالات الدينية والإنسانية.

لقد حدث ذلك في عصور قديمة لا نعلم في زمن أي نبي، ولا نعرف إن كان في زمانه يوجد أنبياء أم لا، لأنَّ ذا القرنين قام مقام الأنبياء في أفعاله ودعوته الناس إلى الإيمان بالله تعالى.

(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا)

تُبيّن هذه الآية مدى عطاء الله عز وجل لعبده ذي القرنين الذي أُعطي من كل شيء سبباً وعلماً، بمعنى أنّ الله سبحانه قد ملّكه الأرض من مشرقها إلى مغربها وعلّمه كل ما يحتاج إليه في رحلته الإصلاحية بين مشرق الأرض وغربها، وقد عمِل بأسباب الأشياء فوضع الأمور في مواضعها الصحيحة واستعمل قوّته وجميع إمكانياته في خدمة المظلومين الذين كان ذو القرنين بالنسبة لهم أكبر نعمة منَّ الله بها عليهم، ولم يُجري الله على يديه المعجزات، بل منّ عليه بالعديد من الكرامات المشابهة للإعجاز من حيث آثارها.

كان ذو القرنين القائد العادل، وكان كلما سمع عن أمّة مضطهَدة أو منكوبة أو مظلومة تحتاج إلى مدِّ يد العَون قصدها بجيشه الجرّار مسرعاً مهما كانت بعيدة عن مكان تواجده، وكان يعمل جاهداً لرفع الظلم والحرمان عنهم بكل الوسائل المتاحة له، وكان كلما قصد مدينة أو قرية نشر فيها العدل وأرسى بين أفرادها قواعد المساواة بعد أن يدعوهم إلى الإيمان بربهم.

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)

وفي هذه الآية يشير القرآن الكريم إلى واحدة من إنجازات ذي القرنين، فقد علِمَ بوجود قوم في مغرب الأرض يظلمهم حكّامهم فسار إليهم مسرعاً حاملاً معه كل ما يلزم لجيشه وللمحتاجين من الأمم، فوصل إلى إحدى السواحل فوقف وقت غروب الشمس يتأمل عظمة الخَلق الدالة على عظمة الخالق وقدرته، فنظر إلى الشمس فرآها تغرب وراء البحر، بمعنى كأنها تغطس في الماء أو كأنه تنزل في الطين، فراح هناك يذكر الله ويحمده ويشكره على نِعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، ولم يمكث هناك طويلاً كيلا يتأخر عن القوم المظلومين، فتابع سيره برفقة جيشه العظيم، وكانوا يسيرون في الليل والنهار ولا يأخذون قسطاً من الراحة إلا في فترة قصيرة، حتى وصل إلى تلك المدينة المظلوم شعبُها، وفي البداية عندما رأى الناس هذا الجيش الكبير شعروا بخوف شديد إذ ظنوا بأنهم من الغزاة الطامعين بالغنائم، ولكن ذا القرنين بحكمته نزل من على فرسه وسار باتجاههم لوحده من باب تطمينهم فاطمأنوا له وخصوصاً بعد أن استمعوا إلى كلامه العذب الذي كشف لهم فيه عن نيّته في إنقاذهم من الحكام الظالمين.

وبعدها التقى بعامّة الشعب وراح يستمع إلى شكواهم حتى يكون عقاب الظالمين بقدر ظلمهم، فأخبروه بكل شيء، وكان ظلمهم كبيراً حيث أسسوا عروشهم على حساب لقمة عيش الناس، وسكنوا في القصور الفخمة وأفرادٌ من شعبهم لا يجدون خيمة يستظلون بها من حرارة الشمس، فاعتقل كلَّ ظالم هناك وحقّق معهم، ولما ثبت عليهم الجُرم أصدر حكمه العادل في حقهم فعاقبهم بما يستحقون(قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا)

ولا نعرف نوع العذاب الذي أنزله على الظالمين، ولكننا نفهم من سياق الآية الكريمة بأنّ عقابهم كان الموت(والله أعلم) وهو أقل ما يستحقه الحاكم الظالم في كل العصور، لأنّ ظُلم الحاكم عامٌ يشمل أمةً بكاملها، وقد يُقهم من سياق الآية بأن عقابهم كان الموت بقرينة(ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ)

نحن نغبط أولئك الذين لمسوا بركات ذي القرنين الذي نقلهم من أسوأ الحالات إلى أحسنها على مستوى العيش الكريم بعد الهداية، ويا ليتنا يُمنُّ علينا بمثله في هذا الزمان الذي كثر فيها الشر وانتشر فيه الظلم واستشرس الحكّام والملوك في جمع الثروات والإستيلاء على بقاعٍ من الأرض بهدف توسعة نطاق حكمهم.

بقرار واحد من أي حاكم يُباد شعبٌ بأكمله، وبنزوة صغيرة لملِكٍ يُظلَم الملايين من الناس، كما يفعل اليوم بعض ملوك عصرنا الذين ظلموا شعوبهم ليُشبعوا شهواتهم، فبأي عدالة يرمي الملوك من الطعام يومياً ما يكفي للمئات من الجوعى، ولا أحد يحاسبه.

فما أحوجنا إلى رمزٍ من رموز العدالة والمساواة، وما أحوجنا إلى عهدك يا أمير المؤمنين يا علي بن أبي طالب، فوالله لو كنتَ موجوداً في هذا العصر لما تجرأ ذئبٌ من هؤلاء على افتراس نعجة.

وما أحوجنا إلى مثل ذي القرنين في زماننا الحالي، فوالله لو رأى فعل حكّام عصرنا وظُلْمَهم لنا لأفناهم عن آخرهم لأنّ مثل هؤلاء الظالمين لا يستحقون العيش بين الناس.

(وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا)

أرسى ذو القرنين قواعد العدل في تلك المدينة وأثاب المحسنين من أهلها ودلّهم على طريق الهدى حيث دعاهم إلى الإيمان بالله وحده، ونصب عليهم حاكماً عادلاً يرعى شؤونهم ويعمل تحت إمرة ذي القرنين الذي رسم له خطة وأمره بتنفيذها حتى ينتشر العدل في تلك البلاد ولا يبقى محرومٌ واحد، ومنذ ذلك الحين عاش أهل تلك المدينة بأمان في ظل حُكم ورعاية هذا الحاكم العادل الذي مكّنه الله في الأرض، وقد خلّد إحسانُه اسمَه في كل مكان وزمان.

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا)

بعد أن رفع الظلم عن أهل تلك المدينة في مغرب الأرض وعاقب فيها الظالمين ونشر الإيمان في تلك البقعة البعيدة تابع ذو القرنين رحلته نحو مشرق الأرض حيث علِم بوجود أمّة هي بأمس الحاجة إلى مساعدته.

سار بجيشه قاطعاً الجبال والأودية والسهول ومتحملاً لكل المشقات في سبيل رضا الله تعالى وخدمة الناس، وكان في طريقه يلتقي بالأفراد والجماعات ويقدم لهم الخدمات اللازمة حتى وضع بصماته الطيبة في أرجاء هذا العالَم الواسع.

لم يكن يهدف للزعامة أو السلطة أو جمع الثروات، كان كل همه أن يؤدي الوظائف المكلَّف بها من الله سبحانه وتعالى حتى ينال ثوابه، وهو من الذين انطبق عليهم قول الله عز وجل(لا نُرِيْدُ مِنْكُم جَزاءاً ولا شُكُوراً)

بل كان يبذل الكثير في سبيل الله ويدرّب جيشه على تحمّل المشقات في أحلك الظروف، وكانت تكلفة الجيش باهظة، والله وحده يعلم كيف كان ذو القرنين يؤمّن تكلفة هذا الجيش الذي وهب نفسه لخدمة ذي القرنين أيضاً.

وبعد مسير دام لأشهر في ظلّ الحرّ تارة والبرد تارة أخرى وصل ذو القرنين إلى المكان المنشود.

وصل إلى بقعة من الأرض وجد فيها رجالاً ونساءاً بدائيين ليس لديهم بيوت أو خيم، بل كانوا يجلسون تحت أشعة الشمس الحارقة، وكانت لغتهم غريبة عجيبة، والأعجب من ذلك أنّ ذا القرنين خاطبهم بلغتهم مما فاجأ قادة جيشه الذين تحيّروا في أمر قائدهم العظيم، كيف تعلّم كل ذلك؟

كان إذا أصيب أحد أفراد جيشه بمرض عالجه وطاب، وكان يهتم بهم فرداً فرداً ويصوّب لهم أخطاءهم ويسهر على راحتهم ويتعامل معهم كأنه واحد منهم وليس قائداً عليهم.

وعندما رأى أولئك البدائيون ذا القرنين وجيشه فروا هاربين خوفاً منهم، ولكنه عندما خاطبهم بلغتهم اطمأنوا، فراح يسألهم عن أحوالهم فأخبروه، وعلِم أنهم لا يُحسنون بناء الخيم ولا البيوت، فأمر جيشه بجلب المواد اللازمة وبنى لهم البيوت والخيم وعلّمهم كيف يزرعون ويحصدون ويحفظون الحبوب تحت الأرض.

وبعد أن علّمهم ما يحتاجون إليه من لوازم الأبدان، راح يعلمهم ما يحتاجون إليه من لوازم الأرواح حيث دعاهم إلى الإيمان بالله وحده وبيّن لهم أصول العقيدة الصحيحة فآمنوا بما دعاهم إليه حيث أدركوا أنه دين الحق، والدليل هي الترجمة العملية التي قام بها ذو القرنين مما أثبت لأولئك أنه يحمل في قلبه الدين القويم فآمنوا وعبدوا الله وحده.

ثم تركهم بعد أن ثبّت أقدامهم وعلّمهم كل ما يحتاجون وتوجَّه إلى مكان آخر لهدف هو الأعظم في كل رحلته.

تابع سيره لتحقيق آية من آيات الله، وهي بناء ذلك السد الشهير الذي حجب يأجوج ومأجوج عن باقي الناس، وفي الطريق التقى بقومٍ يكاد العطش يقتلهم هم ومواشيهم، فسألهم عن أحوالهم فأخبروه بأن الماء الذي جمعوه قد نفد منذ أسابيع، فعلّمهم حفر الآبار وأخبرهم بأن الماء موجود تحتهم وهم لا يشعرون، فتعجبوا من ذكاء هذا الرجل وخبرته الكبيرة، وحفر لهم أول بئر بيديه حتى يتعلموا، وأخرج لهم الماء وحفظهم بذلك من الهلاك، ودعاهم إلى الحق كالعادة، ثم أتبع سبباً، فتركهم متوجهاً نحو مهمته الكبرى.

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا)

لعلها الرحلة الأخيرة التي قام بها ذو القرنين قبل وفاته، وكانت من أعظم الإنجازات التي قام بها في حياته والتي ترتبط بموضوع عقائدي كبير وهو موضوع السد الذي له علاقة بخروج يأجوج ومأجوج من ورائه في آخر الزمان.

فبعد أن حفر الآبار لأولئك العطشى تركهم  وتوجه بأمرٍ من الله تعالى نحو مكانٍ غريبٍ محاطٍ بالجبال والأودية فوصل إلى القرب من جبلين عظيمين يحجبان الرؤيا، فسأله أحد قادة جيشه عن سبب قدومه إلى هذا المكان الخالي من البشر؟ فقال له ذو القرنين وما أدراك أنه خالٍ من السكان؟ فقال قائد الجيش لأنني لا أرى أثراً للحياة هنا، ولعله قال ذلك لأنهم لم يصادفوا بشراً طيلة تلك الرحلة الطويلة، ثم إنه كيف لبشرٍ أن يعيش في مثل هذا المكان الذي ليس فيه سوى جبال عالية وأودية سحيقة، فطلب منه ذو القرنين أن يصعد معه إلى جبل كان يتوسط المكان، فصعدا حتى بلغا القِمّة، وهناك كانت دهشة قائد الجيش كبيرة لا توصَف فقد رأى خلف تلك السلسلة الجبلية  أعداداً هائلة من البشر تسكن المكان، فازدادت عظمة ذي القرنين في نفسه أكثر.

وهناك بدأت الحكاية الخالدة التي خلّدت اسم ذي القرنين حتى زماننا الحالي، وإليكم تفاصيل تلك القصة.

وصل ذو القرنين إلى منطقة جبلية يسكنها أناسٌ لا يكادون يفقهون قولاً إما بسبب غرابة لغتهم الخاصة، أو لأنهم لا يتكلمون أصلاً إلا بلغة الإشارة والله أعلم، فعندما دنا منهم ذو القرنين شعروا بخوف شديد وتفرقوا من حوله لظنهم أنه من أكلة لحوم البشر، فراح يحدثهم ويهدِّئ من رَوعهم ويطمئنهم ويكرر محولاته معهم وهم يهربون منه ويفرون من مكان إلى مكان وهو لم ييأس منهم لأنه يعلم ما سوف يكون من أمرهم في النهاية ويصر على عدم تركهم حتى يحجب أعداءهم عنهم، وبعد أخذٍ ورد اطمأنوا له بالتدريج، فجلس معهم وسألهم عن أحوالهم فأخبروه بظلم يأجوج ومأجوج لهم وأنهم يهجمون عليهم في كل يوم ويقتلون منهم عدداً(قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)

استمع ذو القرنين لهم وجمع المعلومات اللازمة للقضاء على تلك المجازر، ولكنه لم يُعجبه عرضهم للمال، فهو لا يصنع ما يصنع إلا من أجل كسب رضا الله سبحانه، فرفض فكرة أخذ المال منهم، وراح يخطط للحد من تلك المجازر بأقل الخسائر، فعرض عليه قائد الجيش أن يواجهوا يأجوج ومأجوج عسكرياً فرفض ذو القرنين الفكرة لأنه كان يعلم حجم الخسارة التي سوف يتكبدها جيشه من جرّاء المواجهة العسكريةوأنها لن تجدي معهم نفعاً، ولربما فُني جيشُه دون أن يصل إلى مبتغاه، ففكّر في طريقة سلمية يقضي بها على تلك الأزمة دون أن تسيل نقطة دم واحدة.

ولعل سبب رفضه للمواجهة العسكرية يعود لأحد أمرين:

الأول: أنه موحى إليه أن يفعل ما قد فعَل ولم تكن الحرب مع يأجوج ومأجوج ضمن خطته أو ضمن ما أوحي إليه به.

الثاني:  أنّ أعداد يأجوج ومأجوج تفوق التصور، وقد ورد أنهم عبارة عن آلاف القبائل، وكل قبيلة منهم تُعد بالآلاف.

ولكن الآية الكريمة تشير إلى أنّ أهل تلك المنطقة هم الذين طرحوا على ذي القرنين فكرة السد الذي يحجب يأجوج ومأجوج عنهم، ولم تكن تلك الفكرة غائبة عن ذهن ذي القرنين، فلقد كان يعزم على ذلك حتى لو لم يذكر الناس تلك الفكرة، أو لعله هو الذي أشار عليهم بفكرة السد فاستنسبوا الأمر وذكّروه به، وحتى لو راودتهم تلك الفكرة فإنهم قطعاً لم يتخيلوا أنه سيكون بهذا الحجم وتلك الدقة الهندسية.

(قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا)

إنّ ما ألهم الله به عبده ذا القرنين هو الخير الذي يجب تنفيذه بكل دقة، وحينها طلب المساعدة من تلك القبائل من باب تعويدهم على التعاون ومن باب أنه بحاجة إلى عدد أكبر من أعداد جيشه للقيام بتلك المهمة التي تشبه الخيال.

وربما كان عدد جيشه كافياً ولكنه أصر على مساعدتهم له من باب تعويدهم على التعاون وتنفيذ ما يلزمهم بأنفسهم.

كانت أعداد يأجوج ومأجوج هائلة تصعب مواجهتهم عسكرياً، وقد ورد في بعض الروايات أنهم عبارة عن أربعماية ألف قبيلة في ذلك الوقت، أما الآن فلا نعلم أعدادهم فضلاً عن مكان تواجدهم، وقد ذُكر في بعض الأخبار وصفٌ ليأجوج ومأجوج فقيل إنّ يأجوج من العمالقة ومأجوج مخلوقات تشبه الذئاب، ولكن القَدَر المتيَقَّن أنهم مخلوقات عاقلة، ولنقل إنهم بشَر، وكانوا مفسدين في الأرض ككثير من الأقوام التي سبقتهم ولحقتهم، وفينا من البشر في القرن الحادي والعشرين مَن هم ألعن وأخطر علينا من شر يأجوج ومأجوج.

لقد رأى ذو القرنين بأنّ أنسب طريقة للتخلص من شرهم هو بناء سدٍ بينهم وبين تلك القبائل المستضعفة، ولعله لم يكن ليأجوج ومأجوج ممرٌ إلا من تلك الطريق التي أُقيم عليها السد بسبب ارتفاع الجبال ووعورتها، وإلا لو ثمّة طريق آخر لما بنى السد من الأساس لأنه سيكون من دون جدوى، وحتى الآن هناك أشخاص لا يصدّقون فكرة أن يأجوج ومأجوج عاجزون عن الوصول إلى الناس إلا بأمرٍ من الله سبحانه، وأن الممر الوحيد لهم هو المكان الذي بُني عليه السد.

طلب ذو القرنين من أفراد تلك القبائل أن يعينوا جيشه في العمل فيجمعوا معهم الحديد والنحاس، وعلى الأقل أن يدلوهم على أماكن تواجد تلك المواد لأنهم أعرف بتلك المناطق من جيش ذي القرنين، ثم صُهر الحديد بنيرانٍ عظيمة وأفران بدائية فعّالة، وبعد ذلك أذيب النحاس ووُضع فوق الحديد فأصبح صلباً ناعماً لا يمكن تسلُّقُه(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)

ولعلهم نقّبوا عن الحديد والنحاس في باطن الأرض، وهذا من شأنه أن يستهلك الكثير من الوقت ومن الجهد، وكان ذلك من الأعمال العجيبة والإنجازات الكبرى التي ربما لا يتمكن الناس في هذا القرن أن يبنوا مثل ذلك السد بهندسته وضخامته ومتانته.

والله يعلم كم استغرقوا من الوقت والمواد في بناء هذا السد العالي والضخم، ولا أحد يعرف مكان هذا السد حيث جعل الله قضية يأجوج ومأجوج سراً من أسراره التي انتهت ببناء السد، ولن يظهروا للناس إلا في وقتٍ قريبٍ من يوم القيامة، والله وحده يعلم مدى الخراب الذي سوف يُحدثونه في الأرض فور خروجهم إليها.

هناك محاولات للتعرّف على مكانه ولكنهم حتى الآن لم يُحدثوا أي تقدّم في هذا المجال.

وقيل بأنّ يأجوج عندما رأوا ذلك السد المنيع جنّ جنونهم وقد حاولوا أن يتسلقوه ففشلوا، فحاولوا أن ينقبوه أو يكسروه فما استطاعوا، ولعلم يحاولون نقبه حتى يومنا الحاضر ولكن من دون جدوى حيث لا مردّ لأمر الله وقضائه.

ويخبرنا القرآن الكريم بأنه سوف يأتي يومٌ ينهار فيه هذا السد ويخرج يأجوج ومأجوج فيخربوا هذا العالَم المزدهر والمتطور، وفي ذلك قال سبحانه(حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ)

سوف يخرجون إلينا من كل مكان بأعداد لا يحصيها إلا الله عز وجل، وفي ذلك حكمة منه سبحانه، وبعد ذلك تقوم القيامة وينتهي هذا العالَم ويحيي الله الناس بعد موتهم للحساب.

الشيخ علي فقيه

 

 

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى